مقالات

سعد عبد الغفار يكتب : أسرار السعادة

 

سِرُّ أسرار الحياة، وجوهرُ سعي الإنسان مهما كان شكله وعمره وتفكيره ومعتقده، منذ أن يفتح عينيه على الدُّنيا يستشعر معناها ولا يقع على اسمها، وربَّما عرف الإنسان السَّعادة قبل أن يسأل عنها ويبحث في أسبابها، بل ربَّما كان السِّر في الاهتداء إليها هو إراحة النَّفس من السَّعي الحثيث نحوها، فإنَّها رضًا يُهتدى إليه وليست غنيمةً تتحصَّل بطحن الصُّخور. وإن كان العمل يجلب السَّعادة وأخذ أسبابها يقرِّبها إلَّا أنَّ الرُّوح هي الأصل في كلِّ ذلك، فإنَّ من النَّاس من يسعى طوال حياته ولا يعرف طعم الهناء ولا يلتمس الرِّضا، ومنهم من ضاقت عليه الأسباب وعدم الوسيلة لبلوغ الغايات البعيدة إلَّا أنَّه للسَّعادة أقرب، فتلك طبائع وطرائق في التَّفكير. الحياة تحكم الإنسان بطبعه أكثر ممّا يحكمها، فالسَّعادة والطُّمأنينة ورضا النَّفس هي أرزاقٌ من مقسِّمِ الأرزاق، يهديها إلى النَّاس أكثر ممّا يهتدون إليها بأنفسهم، فإنَّ من عرف السَّعادة في الحياة صاحب حظٍّ كبيرٍ ونعمةٍ غامرةٍ حُرِم منها كثيرون غيره، وهو بذلك أدرك كلَّ شيءٍ وإن كان ينقصه الكثير، وأمَّا من افتقد هذه النِّعمة فقد افتقد كلَّ شيءٍ وإن اكتملت أسباب الرَّفاه في حياته، وهذا سرُّ الحياة الذي لا يحتكم إلى قواعد واحدة ولا إلى شروط ثابتة يتحقَّق معها الهناء أو ينقطع دونها

وللسَّعادة مسالك عديدةٌ، فلا يشترك النَّاس جميعًا في كيفيَّة سعيهم إليها، ولا يتَّخذون طريقًا واحدةً لوصولها، فمن النَّاس من يرى هناك في الأمور الماديَّة وفي رفاهيَّات الحياة الملموسة، فيسعى إلى امتلاك دارٍ فسيحةٍ وسيارةٍ حديثة ويبتاع الثِّياب والمجوهرات، ويجد في ذلك ما يسعده ويرضيه، ومن النَّاس من لا يعرف راحةً إلَّا بالعمل، فبقدر ما يتعب بدنه ترتاح روحه، وبقدر ما ينجز من أعمالٍ يشعر بقيمته وبوجوده، وغيره من يسعد بالعلم، فيتزوّد منه ما استطاع ويكدِّره انقطاع أسباب وصوله، فمتى اقتدر على تحصيله كان مسرورًا وإن أتعبه، ومتى امتنع عنه تكدَّر وعاش في حزن ، ولا شكَّ أنَّ السَّعادة تكاملٌ يتحصَّل من اجتماع كلِّ تلك العناصر معًا، إلَّا أنَّ لكلِّ امرئٍ أسبابه الملحَّة ونظرته الخاصَّة وتطرُّفه إلى أمرٍ يلتمس فيه السُّرور أكثر من سواه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى