مقالات

قلوب سليمة في منتصف شعبان

أمنية خالد

بدأت ليلة النصف من شعبان منذ ساعات قليلة وها نحن ما زلنا على حالنا، هل منا من استعد لرمضان وقد بقى عليه أسبوعين، هل منا من يعرف فضل تلك الليلة هل منا يعرف أن الله جبر بخاطر نبيه في مثل تلك الليلة وحول القبلة من المسجد الأقصى للمسجد الحرام على ارجح الآراء والله أعلم ولكن قبل هذا وذاك هل تعلمون ان ثمة خصومة صغيرة جدًا فضلاً عن الضغائن والأحقاد والمظالم والمشاحنات والغيبة والوقيعة بين الناس ربما بل من المؤكد في احاديث النبي _صلى الله عليه وسلم_أنها ستحول بيننا وبين غفران الله لذنوبنا، فتصبح مجرد خصومة عقبة بينك وبين المغفرة، وذاك المرض القلبي وتلك الأحقاد وبعض الضغائن هل تراهم يستحقون أن لا تفوز بغفرانه؟!، اسأل نفسك هذا السؤال قبل أن تمر تلك الليلة حتى ترتب حياتك وترتب مشاعرك القلبية بحرص لتحوز مغفرة المولى وعفوه، وانت يا من قد وقع الخطأ في حقك هل سامحت الآخرين في حقوك ليطيب الله قلوب من لهم حق عندك ولنمر كلنا بهذه الليلة وقد غفر الله لنا، فعن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إذا كان ليلة النصف من شعبان اطلع الله إلى خلقه، فيغفر للمؤمنين، ويملي للكافرين، ويدع أهل الحقد بحقدهم حتى يدعوه” ورواه الطبراني، وحسنه الألباني- رحمه الله- في صحيح الجامع برقم 771.

وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله ليطلع في ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه، إلا لمشرك أو مشاحن” رواه ابن ماجه، وابن حبان عن معاذ بن جبل رضي الله عنه.

وقد قال عطاء بن يسار: ما من ليلة بعد ليلة القدر أفضل من ليلة النصف من شعبان، يتنزل الله تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا، فيغفر لعباده كلهم، إلا لمشرك أو مشاجر أو قاطع رحم.

وبعدما قرأنا الأحاديث السالفة هل هذه الدنيا الحقيرة التي لا تساوي عند الله جناح بعوضة أن تحرمنا عفوه ومغفرته.

فلتكون هذه الليلة بداية للبعد عن المعاصي والخطايا ولنطهر قلوبنا من الحقد والشحناء هل تدركون أن أفضل شئ تفعلونه بعد الإيمان بالرحمن أن تنظفوا قلوبكم من جميع أنواع الشحناء، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين والخميس فيغفر الله لكل عبد لا يشرك بالله شيئاً، إلا رجلاً كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقول: أنظروا هذين حتى يصطلحا” رواه مسلم.
ماذا تشعر عندما تقرأ (إلا من أتى الله بقلب سليم) كيف لا تحافظ على تلك المضغة سليمة ليطلع عليها الله وهي في حاله يرضاه؟!
وسأروي لكم قصة تبين كيف أن سلامة القلب من الأحقاد والشحناء وعدم ظلم الناس يوصل للجنة وليس فقط للعفو في ليلة النصف من شعبان وهذه القصة في عصر من لا ينطق عن الهوى بأبي هو وأمي _صلى الله عليه وسلم_والبشارة بالجنة من لسانه وهو الصادق، فقد ثبت عند الإمام الترمذي رحمه الله في جامعه عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال:

(بينما نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم، إذ قال: يطلع عليكم من هذا الفج رجل من أهل الجنة)، وتأملوا أيها الإخوة في الله هذه البشارة العظيمة التي جعلت كل واحد في هذا المجلس – بل كل مَن سمع بهذا المجلس – يتمنى أن يكون ذلك الرجل الذي بشَّر النبي صلى الله عليه وسلم أنه من أهل الجنة، فإذا بهم يطلع عليهم رجل من الأنصار تَنطِفُ لحيته من الوضوء لتوِّه، قد توضأ وأثَّر ماء الوضوء على وجهه، فجاء وجلس في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم، وتكرر هذا الأمر، ولَمَّا كان من الغد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (يطلع عليكم رجل من أهل الجنة)، فكان الرجل نفسه في اليوم الثاني وفي اليوم الثالث، فما كان من الصحابة_ رضي الله عنهم – وكانوا أحرص الناس على الخير – إلا أن يتطلعوا إلى العمل الذي بلَّغ هذا الرجل هذه المنزلة العظيمة.

فانتدب عبدالله بن عمرو بن العاص_ رضي الله عنهما_ نفسه للنظر في هذا العمل الذي بُلِّغه هذا الأنصاري_ رضي الله عنه وأرضاه_حتى يبلغ هذه البشارة العظيمة، فذهب إلى هذا الرجل وقال:
“إنه كان بيني وبين أبي ملاحاة، فآليتُ ألا أبيت في البيت ثلاثًا”، حتى يتوصل بذلك إلى أن يبيت معه؛ لينظر في عمله، وكيف يصنع، فبات عنده ثلاث ليال، فكان لا يَرى منه كثيرَ عملٍ، لم يره متهجدًا في الليل، ولا زائدًا بالعمل في النهار، ولكنه كان في ليله إذا انقلب أو استيقظ من الليل، ذكر الله تعالى، ولا يزال هذا دَيدنه حتى يكون الصبح، وحتى يخرج الفجر، فلما انقضت الليالي الثلاث، قال له:
يا فلان، إنا كنا عند النبي_ صلى الله عليه وسلم- فقال:

(يطلع عليكم رجل من أهل الجنة)، فكنت أنت ثلاث مرارًا الذي ينال هذه البشارة العظيمة، فأردت أن أنظر ما هو العمل الذي بلَّغك هذه المنزلة، فلم أر كثيرَ عملٍ، فقال له: ما هو إلا الذي رأيت؛ يعني: ليس ثمة شيء أُخفيه، وإنما هذه هي حالي في ليلي ونهاري، فلما هَمَّ عبدالله أن ينصرف، ناداه الأنصاري وقال له: ما هو إلا الذي رأيت، وإني أبيت إذ أبيت، وليس في قلبي غش لأحد من المسلمين، ولا أحسد أحدًا على نعمة آتاه الله تعالى إياها، قال عبدالله: هذه التي بلَّغتك وهي التي لا نستطيعها.

بل إن أهل الجنة لا يطئونها إلا بعدما ترد المظالم ويقتص كل لحقه وعندما يدخلون الجنة ينزع الغل من قلوبهم يقول الله _سبحانه وتعالى _عن أهل الجنة﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ ﴾ فمتى نعد انفسنا للجنة ونخلصها من الاحقاد والمشاحنات وأمراض القلوب

العبادات التي تختص بها ليلة النصف من شعبان:
لم يصلنا حديث صحيح عن عبادة تختص بها هذه الليلة ولم يثبت او يرد ان النبي_صلى الله عليه وسام_اختصها بعبادة معينة، قال ابن رجب في لطائف المعارف:
( وليلة النصف من شعبان كان التابعون من أهل الشام كخالد بن معدان، ومكحول، ولقمان بن عامر وغيرهم، يعظمونها ويجتهدون فيها في العبادة، وعنهم أخذ الناس فضلها وتعظيمها. وقد قيل: إنه بلغهم في ذلك آثار إسرائيلية، فلما اشتهر ذلك عنهم في البلدان اختلف الناس في ذلك فمنهم من قَبِلَه منهم ووافقهم على تعظيمها، ومنهم طائفة من عباد أهل البصرة وغيرهم، وأنكر ذلك أكثر العلماء من أهل الحجاز).

وقال ابن تيمية رحمه الله: ( وأما ليلة النصف من شعبان ففيها فضل، وكان في السلف من يصلي فيها، لكن الاجتماع فيها لإحيائها في المساجد بدعة).

ولكن لا بأس أن تخلو بالله القيام ليس لأنك تختص هذه الليلة بالقيام لأنك ترجو مغفرته وتعتبرها من الأوقات المباركة التي يستجاب فيها الدعاء.

وقال الشافعي رحمه الله:
بلغنا أن الدعاء يستجاب في خمس ليال: ليلة الجمعة، والعيدين، وأول رجب ونصف شعبان.
ويجوز أن تصوم يوم النصف من شعبان على أنه ضمن الأيام الثلاث البيض التي صيامها سنة وليس على أنه يوم النصف من شعبان والحديث المنتشر على مواقع التواصل والذي نصه(إذا كان ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلتها وصوموا يومها) حديث موضوع.

فكل ما نرجوه أن نتقي الله وتكون هذه الليلة بداية لوقفة مع النفس لرد المظالم والتخلص من الشحناء والاحقاد ووقفة مع النفس لتجديد العلاقة بالله سبحانه وتعالى والإستعداد لرمضان لعل الله يجبر بخاطرنا إذا تقلبنا بوجوهنا مقبلين عليه بالدعاء ويخلصنا من هذا الوباء عندما نتخلص من الأوبئة التي تملأ صدورنا كما جبر خاطر الحبيب عندما تقلب وجهه للسماء فولاه قبلة يرضاها فاللهم تولنا برحمتك.

admin

رئيس تحرير موقع وجريدة نبض الدقهلية

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق