دينى

ماذا بعد رمضان

أمنية خالد

إنقضى رمضان وليس من بيننا من يضمن للآخر رمضانًا آخر! كل ما نملكه اللحظة التي بأيدينا وكم من شهيق لم يتبعه زفير والعكس فمستقبل الأيام لا يعلمه إلا الله ﴿ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنْسَى ﴾ [طـه: 52]، ولكن ما الدروس التي تعلمناها من رمضان؟!

إذا أبصر كل منا في نفسه سيجد أن كل عقبات حياته كان سببها عدم قراءة الدروس وعدم التعلم من الماضي وكل منا له نظر ولكن من منا لديه بصيرة؟! لذلك تعلم أن تكون مؤمنًا فطنًا يتفحص الدروس والمواقف ولتعلم أن إنتهاء رمضان بتلك السرعة أعظم درس يمر عليك في تلك الآونة، فهو وإن انتهت أيامه فقد بقى في ميزانك ما أودعته فيها من طاعات لذلك إن أردت أن ينتهي عمرك ويبقى لك أيضًا فتعامل مع عمرك كأنه صندوق وكل يوم يمر عليك يجب أن تملأ فيه جزء من الصندوق حتى إذا انتهى عمرك بقى ميزان صندوق حسناتك ثقيلاً فلا تكون مما خفت موازينهم وكأنهم يومك بعضك ذهب زمنًا وبقى عملاً يقول الحسن البصري- رحمه الله -: “ابنَ آدمَ، إنَّما أنت أيَّام، إذا ذهبَ يومُك ذهبَ بعضُك”.

ومن الجدير بالنظر فيه أن العمر كلما تقدم بك كلما ضعفت فاغتنم شبابك وقوتك وقدرتك على الطاعات ومرحلة الشباب لمن يطيع مرحلة فتوح فاسع فيها للتوبة والأوبة قبل أن يكدر صفو عمرك المشيب فتندم على ما ضاع، يقول الشاعر:

تَمُرُّ بِنَا الْأَيَّامُ تَتْرَى وَإِنَّمَا

نُسَاقُ إِلَى الْآجَالِ وَالْعَيْنُ تَنْظُرُ

فَلاَ عَائِدٌ ذَاكَ الشَّبَابُ الَّذِي مَضَى

وَلاَ زَائِلٌ هَذَا الْمَشِيبُ الْمَكَدَّرُ.

لذلك تعامل مع شبابك كأنه ربيع عمرك الذي سيخلف من بعده ثمار من البركة والمداومة على الطاعات فمن شب على شئ شاب عليه، وتعامل مع رمضان وكأنه ربيع العام الذي يعطي روحك بهجة وقوة وثمارًا تغذيك بقية العام.

رمضان بداية التغيير رمضان ليس نهاية المطاف، وعلامة القبول والآخلاص في رمضان أن تستمر بعده على المسارعة في الخيرات فرب رمضان رب كل الشهور فهل أنت تعبد رمضان؟! لنراك بعد رمضان تعود للمعاصي؟!، أم أنك تعبد رب رمضان وهو باق وستبقى أنت تعبده ما حييت؟!

إعتبر نفسك بدأت التعود على الطاعة وحبها منذ بداية رمضان ولا تكن ممن يعبد الله على حرف ومن عبدوا الأسباب والمواسم لاتكن إمعة لا تكن ممن ينطبق عليهم قول الشاعر:

صَلَّى الْمُصَلِّي لِأَمْرٍ كَانَ يَطْلُبُه لَمَّا انْقَضَى الْأَمْرُ لاَ صَلَّى وَلاَ صَامَا

فما الجدوى من عبادة يتبعها الفجور!!، ما الفائدة من العزوف عن المعازف والخمور والتدخين والمحرمات والعودة إليها بعد رمضان وكأن حالهم كما قال البائسُ عن الخمر:

رَمَضَانُ وَلَّى هَاتِهَا يَا سَاقِي مُشْتَاقَةً تَسْعَى إِلَى مُشْتَاقِ

ولن نخوض في هذا كثيرًا فهؤلاء ليسوا من رمضان وليسوا من أهله ومن امتنع عن المسلسلات في رمضان وعاد إليها بعد رمضان ومن عاد لإدارة الصفحات المشينة على الإنترنت ومن عاد ليمسك بسيجارته وأرجيلته ومم عاد لأكل الأموال والرشوة ومن عاد لإيذاء جاره ومن عاد لجحد حقوق ذوي القربى وغيرهم ليسوا من رمضان ولم يؤثر فيهم رمضان، الهدف من رمضان ليس العبادة المؤقتة، وإنما العودة والإستمرارية على ما تعودته في رمضان.

كن ربانيًا تعبد الله دائمًا ويفرح قلبك لاستقبال رمضان لأن أجره مضاعف وبركاته ونفحاته عظيمة ولأنه موسم الصيام والزكاة وفيه ليلة خير من ألف شهر ، وينفطر قلبك على انقضاء رمضان وتستمر على العبادة حتى تجبر نقصك فيما مصى وتستعد لما هو آت وتدعو الله أن يتسلمه منك متقبلاً ويكون حالك كمن بلغ حزنه على فوات رمضان عنان السماء فقال :

سَلاَمٌ مِنَ الرَّحْمَنِ كُلَّ أَواَنٍ

عَلَى خَيْرِ شَهْرٍ قَدْ مَضَى وَزَمَانِ

سَلاَمٌ عَلَى َشَهْرِ الصِّيَامِ فَإِنَّهُ

أَمَانٌ مِنَ الرَّحْمَنِ كُلُّ أَمَانِ

لَئِنْ فَنِيَتْ أَيَّامُكَ الْغُرُّ بَغْتَةً

فَمَا الْحُزْنُ مِنْ قَلْبِي عَلَيْكِ بِفَانِ

قد قرأت حال من يتعاملون مع رمضان كأنه قيد مؤقت وانتهى ومن تعاملوا معه كبداية للتغيير ومن انفطر قلبهم على انقضائه وقل لي من أي صنف أنت؟! وكن صادقًا في إجابتك مع نفسك حتى تفطن قوله تعالى :﴿ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ﴾ [ص: 28]،

و أرجو أن نكون أنا وأنت من الصالحين المتقين،ولا تيأس ما زالت الفرصة بيدك طالما مد الله عمرك حتى هذه اللحظة فقم وصل واعزم على التوبة وعدم العودة إلى أي فعل شائن فلا تعلم متى ينقضي أجلك.

حال السلف الصالح بعد رمضانك

ان السلف الصالح يصيبهم الهم عند انقضاء رمضان وجلين خائفيين يرددون : هلْ تُقبِّلَ منَّا؟!

فهمْ كما قال الله عز وجل: ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ﴾ [المؤمنون: 60 – 61]

وهم السلف الصالح المشهود لهم بالطاعات والعبادات ومع ذلك يعيشون بين الخوف والرجاء وهذا حال المؤمنين، قالت عائشة – رضي الله عنها -: يا رسولَ اللهِ، ﴿ الَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ ﴾ هو الذي يسرِقُ ويَزنِي، ويَشربُ الخمر، وهوَ يَخافُ الله – عزَّ وجلَّ؟ قال:

((لا يا ابنةَ الصِّدِّيقِ، ولكنَّهم الذينَ يُصلُّون ويصومونَ ويتصدَّقون، وهمْ يخافونَ أَلاَّ يُتقبَّلَ منهم))

إلى متى؟!

حتى الغررة، كن عابدًا حتى تغرغر روحك حتى ينقضى أجلك وفاز من ختم له بالحسنى وخاب وخسر من ختم له بالسوء والخاتمة الحسنة لن تأتي هباءً بل من عاش على شئ مات عليه ومن مات على شئ بعث عليه، قال الحسنُ البصريُّ – رحمه الله -: “إنَّ الله لمْ يجعلْ لعملِ المؤمنِ أَجلاً دونَ الموتِ، ثُمَ قرأ: ﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾ [الحجر: 99]”.

يقول الله – تعالى -: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ [فصلت: 30] .

وقالَ النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم- لرجلٍ جاءَه يطلبُه النصيحةَ، ويستهديهَا: ((قلْ: آمنتُ بالله، ثم استقم))، ليس في الدِّين راحةٌ، أو إجازةٌ، أو انقطاعٌ، قيل للإمامِ أحمد – رَحِمهُ الله -: يا إمامُ، متى الراحة؟ قالَ: عندَ أوَّل قدمٍ نضعُهَا في الجنَّة.

ولا تقل انقضى قيامُ رمضان، فالقيام لا ينتهي، قال – تعالى -: ﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ﴾ [الإسراء: 79] ، ويقول – عليه الصلاة والسلام -: ((أفضلُ الصلاة بعدَ الفريضة صلاةُ اللَّيْل))؛ رواه مسلم.

ولا تقل انقضى صيامُ رمضان، فالصيام – لا ينتهي، فبين أيدِينا صيامُ البيضِ، والاثنينِ والخميس؛ قال – صلَّى الله عليه وسلَّم -:

((إنَّ الأعمال تُعرَض فيها على الله، وأُحبُّ أن يُعرض عملي وأنا صائم))، وأوصى – صلَّى الله عليه وسلَّم – أبا هريرة – رضي الله عنه – بصيام ثلاثةِ أيَّام مِن كلِّ شهر، وقال: ((صَومُ ثلاثةِ أيَّام من كلِّ شهر صومُ الدهر كلِّه))؛ متفق عليه.

وإن انتهى رمضان فبعده صيامَ السِّتِّ من شوال، ندبَنا إليها رسولُنا – صلَّى الله عليه وسلَّم – كما في صحيحِ مسلمٍ عَنْ أبي أيوب الأنصاري – رضي الله عنه – قال: قال رسولُ الله – صلَّى الله عليه وسلَّم -:

((مَنْ صامَ رمضانَ، وأتبعهُ ستًّا مِنْ شوالَ، كانَ كصيامِ الدَّهرِ كُلِّهِ))، ووجهُ ذلك أَنَّ الله يَجزي على الحسنةِ بعشرِ أمثالِهَا، فصيامُ رمضانَ مضاعفًا بعشرةِ شهورٍ، وصيامُ الستِّ بستينَ يومًا، فحصلَ منْ ذلِكُم أجرُ صيام سنةٍ كاملةٍ.

ووقتُها في شوال، وهي مستحبةٌ وغيرُ واجبةٍ، ويصحُّ صَومُهَا متفرقةً في أوَّل الشهر ووسطه وآخره، والأَولى المبادرةُ بالقضاءِ قبلَ صيام الست؛ قال – تعالى -: ﴿ وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى ﴾ [طه: 84].

وبعد هذا كله أرجو منك ومني أن نستقم كم أمرنا ونبيع أنفسنا لله ونعلم أن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم هل تعلم بماذا اشتراهم الله هل تعلم ما هي المكافأة؟! إنها الجنة إنها سلعة الله الغالية فقف مع نفسك ولا تكن ممن ضيعوا الجنة الباقية بدنيا فانية.

 

الوسوم

admin

رئيس تحرير موقع وجريدة نبض الدقهلية

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق